الرحلة الأخيرة _ أ. حسناوي سيلمي
الرحلة الأخيرة. أ. حسناوي سيلمي. خيٌم حزن ثقيل على غرفة فاخرة احتلت صدارة قصر فخم، احتشد داخله جمهور من أعيان المدينة، أحاطوا بجسد ملقى على سرير كان صاحبه في آخر لحظات الهزيمة أمام الموت. يهذي بكلمات حاولوا فهمها دونما جدوى.. ووسط العيون المترقبة التي أصبح أصحابها يرون في الموت أملا جديدا، توغلت به الغيبوبة بعيدا في عالمه المحتضر. أحاط به ضباب كثيف تبين فيه قطار حياته القادم من بعيد. يجري على شريط متآكل من الذكريات. وضع كفه على حاجبيه. دقق النظر، ورآها من بعيد. لقد أصبحت قاب قوسين...
عاش طلائع حياته فقيرا لا يملك من حطام الدنيا إلا جسده المنهك. صارع البرد والجوع والاستكانة. وخرج إلى مباهج الحياة. أراد الفوز بتقدير الناس فقهر الفقر بعد صراع مرير. وقاده الطموح إلى الثراء فجاءته الثروة تجري، مذعورة لتحتمي به. فاحتضنها بما أوتي من قوة، وحسب أنه قد فاز في معركة الحياة.
وجاء اليوم الذي أحس فيه بالشيخوخة تجعده وتخنقه فأيقن بقرب النهاية، وأفزعه ذلك. فكر في ضيق القبر وسعة ما بعده. واكتشف أنه لم يكن إلا واحدا من بين ملايين المسافرين نحو السعادة أو الشقاء. وها قد اقترب القطار أخيرا من محطته النهائية، وأصبح توقفه الذي لا حركة بعده، قدرا لا مفر منه.
زاغ بصره في أرجاء الغرفة. وتحركت شفتاه ببطء ووهن. فامتدت الأعناق لتصطدم بأنفاسه المتقطعة. لم يدر في خلد أصحابها أن قطار حياته الذي مر بألف محطة ومحطة، وحقق ألف رغبة ورغبة، كان يخفف من سرعته تدريجيا استعدادا للتوقف الأخير.
وبخفوت خرجت من بين شفتيه المرتجفتين كلمة بذل ما في صدره من قوة لينطقها. ولكنها ضاعت مثل أنفاسه في أرجاء الغرفة الفسيحة. وسكن الجسد الذي طالما تحرك. وانطلقت من الدار صرخة أفزعت الحي بأكمله. وساد الحزن أياما، ثم بدده الفرح..
قصة



اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات