حين يضيق المعنى _ الكاتب أحمد العبيدي
حين يضيق المعنى… يتّسع الصراخ
للكاتب أحمد العبيدي
العراق
ليس الإنسان عدوًّا بطبيعته ولا خصمًا للعقل كما يبدو في لحظات الانفجار.
هو في جوهره كائنٌ يبحث عن معنى عن موضع قدمٍ في هذا العالم، عن صوتٍ يُسمَع لا يُصادَر. لكن حين يُسحب المعنى من تحت قدميه لا يبقى له سوى الصراخ وسيلةً أخيرةً لإثبات أنه ما زال حيًّا.
في البيئات التي تُثقل الروح بالإهمال لا ينشأ التوتر صدفة بل يُربّى كما تُربّى العادات. يكبر الإنسان وهو يتعلّم أن جهده لا يُغيّر وأن صوته لا يصل وأن الحوار رفاهية لا يملكها. ومع كل محاولة فاشلة للفهم، تتآكل داخله ثقة خفيّة بالعقل فيستبدلها بردود فعل سريعة حادّة، كأنها دفاعٌ غريزيّ عن بقايا ذاته.
العدوانية هنا ليست شجاعةً بل قناع خوف.
والانفعال ليس قوة، بل ارتباكٌ طويلٌ لم يجد طريقه إلى اللغة.
حين يُحاصر الإنسان بواقعٍ لا يفسّره ولا يملك أدوات تغييره يتحوّل إلى ساحة صراع داخلي: بين ما يريد أن يكونه وما يُفرض عليه أن يكونه. هذا التمزّق لا يُرى دائمًا لكنه يُسمَع… في نبرة الصوت في حدّة الرد في استعجال الحكم وفي ذلك العجز عن الإصغاء الذي يشبه تعبًا قديمًا أكثر مما يشبه عنادًا.
نحن لا نفتقر إلى العقل بقدر ما نفتقر إلى شروطه.
فالعقل لا يعمل في الفراغ بل يحتاج إلى مساحة آمنة، إلى وقتٍ للتفكير إلى شعورٍ بأن التفكير نفسه مجدٍ. أما حين يصبح الواقع أقسى من التأمل فإن الإنسان يميل إلى اختصار الطريق: يحكم قبل أن يفهم ويردّ قبل أن يُصغي، لأن الصبر ترفٌ لا يحتمله.
المشكلة ليست في الإنسان وحده بل في العالم الذي يضعه في زاويةٍ ضيقة ثم يطالبه أن يرى بانفتاح. في عالمٍ كهذا، يصبح الحوار امتحانًا قاسيًا لا لأننا لا نعرفه بل لأننا لم نُمنح الفرصة الكافية لنتقنه.
ومع ذلك، يبقى في الداخل شيءٌ لا ينطفئ: رغبةٌ عنيدة في أن يكون الكلام جسرًا لا سكينًا وأن يكون الاختلاف مساحةً للفهم لا ساحةً للقتال. هذه الرغبة مهما خفتت هي بداية الطريق.
ربما لا نحتاج أن نُصلح الإنسان بقدر ما نحتاج أن نُخفّف عنه ثقل الحياة أن نعيد له ثقته بأن صوته ليس عبثًا وأن عقله ليس وحيدًا في هذا الضجيج.
حينها فقط…
لن يضطرّ أن يصرخ كي يُفهَم
وسيتذكّر أن الحوار في أصله
كان شكلًا آخر من أشكال النجاة.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات